بينما لا تزال أغلب دول العالم في مرحلة النقاش والتخطيط،
اختارت الإمارات مسارًا مختلفًا: التحرك المبكر والمنظم.
ففي عام 2025، اعتمدت الدولة سياسة تشفير وطنية ولوائح تنفيذية تُلزم الجهات الحكومية بوضع خطط انتقال واضحة ومعتمدة رسميًا نحو التشفير الآمن كموميًا، بدءًا بجرد الأصول التشفيرية وتقييم المخاطر كخطوة أساسية قبل أي ترحيل فعلي.
وترجمت هذه السياسة إلى خطوة عملية في مايو ويونيو 2026، حين أطلق مجلس الأمن السيبراني الإماراتي، بالشراكة مع شركة QuantumGate الإماراتية، أداة وطنية تُعرف باسم Crypto Discovery Tool (CDT)، مصممة خصيصًا وفق متطلبات المركز الوطني للتشفير في الدولة. تتيح هذه الأداة رسم خريطة شاملة للأصول التشفيرية في البنية التحتية الحيوية للدولة ومراقبتها باستمرار، بما يضع الإمارات في مصاف أوائل الدول عالميًا التي تطبّق استراتيجية وطنية منسّقة وواسعة النطاق للانتقال إلى الأمان الكمومي. Abu Dhabi Media Office Quantumgate
وتأتي هذه الأداة كجزء من برنامج أوسع يحمل اسم البرنامج الوطني للانتقال إلى ما بعد الكم، والذي يعتمد أيضًا على مكتبات تشفير وطنية طوّرها معهد الابتكار التكنولوجي (TII)، إضافة إلى تقنية توزيع المفاتيح الكمومية القائمة على التشابك، بالشراكة مع مجلس أبحاث التقنية المتقدمة (ATRC) وذراعه التجارية VentureOne.
وفي تصريحات رسمية، وصف الدكتور محمد الكويتي، رئيس الأمن السيبراني لحكومة الإمارات، الاستعداد لتأثيرات الحوسبة الكمومية بأنه أولوية وطنية تستلزم تعزيز الأسس التشفيرية اليوم لضمان أمن البنية الرقمية على المدى الطويل. Middleeastainews من جهته، أكد الدكتور شهاب أبو شهاب، المدير العام لمجلس أبحاث التقنية المتقدمة، أن الانتقال إلى الأمان الكمومي لا يمكن تأجيله حتى ظهور التهديد الفعلي.
ماذا يعني هذا للشركات الناشئة؟
بالنسبة لرواد الأعمال والشركات الناشئة في الإمارات، لا يبدو هذا التحول مجرد ملف أمني حكومي بعيد عنهم، بل عامل تنافسي مباشر.
فمع تزايد ربط الجهوزية للأمان الكمومي بأهلية المشاركة في المشاريع الحكومية والقطاعات الخاضعة للتنظيم، تصبح الشركات التي تتعامل مع بيانات حساسة — الصحية، والمالية، وبيانات المستخدمين — مطالبة تدريجيًا بإثبات أن أنظمتها التشفيرية قابلة للترقية نحو معايير ما بعد الكم، لا أن تكتفي بمعايير اليوم.
وهذا يفتح الباب أمام فرصة مبكرة: الشركات التي تبدأ الآن بفهم أساسيات “الجرد التشفيري” وتبني بنيتها التقنية بمرونة كافية لاستيعاب خوارزميات جديدة، ستكون في موقع أفضل بكثير من تلك التي تنتظر حتى تصبح المسألة إلزامية.
وماذا يعني ذلك للأسر؟
على المستوى الفردي والأسري، لا يحتاج معظم الناس إلى فهم التفاصيل التقنية لخوارزميات ما بعد الكم، لكن الرسالة الجوهرية بسيطة: البيانات التي تبدو محمية اليوم — من السجلات الطبية إلى الصور العائلية المخزنة سحابيًا — قد لا تبقى كذلك إلى الأبد، خصوصًا مع سيناريو “اجمع الآن، افك التشفير لاحقًا” الذي ناقشناه في الجزء الأول.
الخطوة العملية الأهم للأسر ليست القلق، بل المتابعة: التأكد من أن الجهات التي تحتفظ ببياناتهم — البنوك، مقدمو الخدمات الصحية، منصات التخزين السحابي — تُعلن بوضوح عن خططها للانتقال إلى التشفير الآمن كموميًا، تمامًا كما بدأت الجهات الحكومية الإماراتية تفعل.
الخلاصة
الحوسبة الكمومية ليست تهديدًا وشيكًا بالمعنى الحرفي؛ فالحواسيب القادرة على كسر التشفير الحالي لم تُبنَ بعد. لكنها تحول هيكلي طويل المدى يعيد تعريف مفهوم “الأمان الرقمي” نفسه.
وبينما تتسابق دول العالم لفهم حجم المخاطر، اختارت الإمارات أن تتحرك بمنطق البنية التحتية الوطنية لا بمنطق رد الفعل — وهو ما قد يجعلها نموذجًا يُحتذى في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
المصادر والمراجع الرسمية
- المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا (NIST) — معايير التشفير المقاوم للكم، 2024-2025
- مجلس الأمن السيبراني الإماراتي ومكتب الإعلام الحكومي لأبوظبي — بيانات إطلاق Crypto Discovery Tool، مايو-يونيو 2026
- مجلس أبحاث التقنية المتقدمة (ATRC) — بيان الشراكة مع مجلس الأمن السيبراني، مايو 2026
- معهد الابتكار التكنولوجي (TII) — المكتبات التشفيرية الوطنية وتقنية توزيع المفاتيح الكمومية


