الرجل الذي علّم الآلات كيف تتعلّم… ثم بدأ يخشى مما علّمها إياه

من عالمٍ ظلّ يؤمن لعقود بأن الشبكات العصبية هي مستقبل الذكاء الاصطناعي، إلى عالمٍ حائز على نوبل يقف اليوم محذّرًا من سرعة تطور التكنولوجيا التي ساعد بنفسه على ولادتها. هذه قصة جيفري هينتون.

هناك أشخاص يستخدمون الذكاء الاصطناعي.

وهناك أشخاص بنوا الأساس الذي جعل الذكاء الاصطناعي الذي نعرفه اليوم ممكنًا أصلًا.

جيفري هينتون ينتمي إلى الفئة الثانية.

العالم البريطاني-الكندي الذي أصبح أحد أشهر الأسماء في تاريخ الذكاء الاصطناعي لم يكن صاحب تطبيق شهير، ولم يخترع ChatGPT، ولم يؤسس شركة تكنولوجية عملاقة.

لكن أفكاره وأبحاثه في الشبكات العصبية والتعلم العميق ساعدت على فتح الباب أمام الثورة التي نعيشها اليوم.

والقصة الأكثر إثارة ليست أنه ساعد الآلات على التعلّم.

بل أنه، بعد أن أصبحت هذه الآلات قوية بشكل لم يتوقعه، بدأ يسأل:

ماذا لو أصبح ما علّمناه للآلة أكبر من قدرتنا على السيطرة عليه؟


من هو جيفري هينتون؟

وُلد جيفري إيفريت هينتون في لندن عام 1947، وحصل على الدكتوراه من جامعة إدنبرة عام 1978.

وهو عالم في علوم الحاسوب وعلم النفس المعرفي، وأستاذ فخري في جامعة تورنتو، وعمل بين عامي 2013 و2023 بدوام جزئي في Google، حيث أصبح نائبًا للرئيس وزميلًا هندسيًا. (cs.utoronto.ca)

لكن أهم ما يميّز مسيرته لم يكن منصبًا في شركة كبرى.

كان إصراره على فكرة بدت لسنوات طويلة وكأنها رهان خاسر.

الفكرة هي:

ماذا لو استطعنا أن نجعل الكمبيوتر يتعلم من البيانات بطريقة تشبه، ولو بشكل مبسط، الطريقة التي يتعلم بها الدماغ؟

ومن هنا بدأت الرحلة.


عندما كانت الشبكات العصبية فكرة غير محبوبة

اليوم، مصطلح “الشبكات العصبية” يبدو مألوفًا جدًا.

لكن الأمر لم يكن كذلك دائمًا.

لسنوات طويلة، كانت هناك شكوك كبيرة حول قدرة الشبكات العصبية الاصطناعية على الوصول إلى شيء مفيد عمليًا.

هينتون، مع عدد من الباحثين الآخرين، استمر في تطوير هذا الاتجاه عندما لم يكن هو الاتجاه الأكثر شعبية في مجال الذكاء الاصطناعي.

وكان من أهم أعماله تطوير تقنيات جعلت الشبكات العصبية قادرة على اكتشاف الأنماط المعقدة داخل كميات هائلة من البيانات.

ومن أبرز مساهماته خوارزمية الانتشار العكسي Backpropagation، إضافة إلى أعماله في آلات بولتزمان، والتمثيلات الموزعة، وشبكات الاعتقاد العميق وغيرها. (cs.utoronto.ca)

قد تبدو هذه المصطلحات تقنية جدًا.

لكن الفكرة الأساسية بسيطة:

بدل أن تخبر الآلة بكل قاعدة عليها اتباعها، أعطها أمثلة ودعها تتعلم الأنماط بنفسها.

وهذا التحول كان جوهريًا.


اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء

في عام 2012، حققت مجموعة هينتون في جامعة تورنتو اختراقًا مهمًا في مجال التعرف على الصور باستخدام الشبكات العصبية العميقة.

كانت تلك الفترة واحدة من اللحظات المفصلية التي ساعدت على إثبات أن التعلم العميق يمكن أن يحقق نتائج قوية جدًا في مهام كانت تُعد صعبة على الآلات.

ومن هنا بدأت الصناعة تنظر إلى الشبكات العصبية بطريقة مختلفة.

لم تعد مجرد تجربة أكاديمية مثيرة للاهتمام.

بدأت تصبح طريقًا محتملًا لبناء الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي.


من المختبر إلى Google

في 2013، انضم هينتون إلى Google، واستمر في العمل معها حتى عام 2023. (cs.utoronto.ca)

وخلال هذه السنوات، أصبحت تقنيات التعلم العميق جزءًا أساسيًا من التحول الكبير الذي شهدته صناعة الذكاء الاصطناعي.

التعرف على الصور.

فهم اللغة.

التعرف على الكلام.

الترجمة.

أنظمة التوصية.

وغيرها من التطبيقات التي أصبحت لاحقًا جزءًا من حياتنا الرقمية.

وبطريقة غير مباشرة، ساهمت أبحاث هينتون في بناء الأرضية العلمية التي قامت عليها موجة الذكاء الاصطناعي الحديثة.

لكن القصة لم تنتهِ هنا.

بل بدأت تصبح أكثر إثارة.


الرجل الذي صنع جزءًا من الثورة… ثم غادر Google

في عام 2023، استقال هينتون من Google.

والسبب لم يكن خلافًا وظيفيًا عاديًا.

كان يريد أن يتحدث بحرية أكبر عن المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي.

بعد خروجه، أصبح من أكثر العلماء شهرة في التحذير من بعض المسارات التي قد يسلكها التطور السريع للذكاء الاصطناعي.

تحدث عن مخاطر التضليل، وتأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، وإمكانية إساءة استخدام الأنظمة الذكية، إضافة إلى مخاوف أكثر مستقبلية تتعلق بإمكانية ظهور أنظمة تتجاوز البشر في بعض القدرات. (The Guardian)

وهنا ظهرت المفارقة التي جعلت قصته عالمية:

أحد الأشخاص الذين ساعدوا على بناء الثورة أصبح واحدًا من أكثر الأصوات التي تطالب العالم بالتفكير في حدودها.


لماذا يخاف هينتون من الذكاء الاصطناعي؟

من السهل جدًا اختزال موقف هينتون في جملة:

“هو يعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على البشر.”

لكن موقفه أكثر تعقيدًا من ذلك.

هو يتحدث عن مجموعة واسعة من المخاطر، بعضها موجود بالفعل، مثل التضليل والمعلومات المزيفة وتأثير الأتمتة في الوظائف، وبعضها يرتبط بالمستقبل وقدرة البشر على التحكم في أنظمة شديدة الذكاء. (The Guardian)

والسؤال الذي يثيره ليس بالضرورة:

هل الذكاء الاصطناعي شرير؟

بل:

ماذا يحدث عندما نصنع نظامًا يستطيع التعلّم والتخطيط والتصرف على مستوى يتجاوز قدرتنا على فهمه؟

وهنا تصبح المسألة فلسفية بقدر ما هي تقنية.


نوبل… ولكن في الفيزياء!

في أكتوبر 2024، حصل جيفري هينتون وجون هوبفيلد على جائزة نوبل في الفيزياء عن اكتشافاتهما واختراعاتهما التي مكّنت التعلم الآلي باستخدام الشبكات العصبية الاصطناعية. (nobelprize.org)

قد يبدو الأمر غريبًا:

كيف يحصل عالم ذكاء اصطناعي على نوبل في الفيزياء؟

لأن أعمال هينتون وهوبفيلد استخدمت أفكارًا من الفيزياء الإحصائية لفهم وتطوير الشبكات العصبية الاصطناعية.

هوبفيلد طوّر شبكة قادرة على تخزين واستعادة الأنماط.

وهينتون بنى على هذا النوع من الأفكار وطور آلة بولتزمان Boltzmann Machine، وهي نموذج قادر على تعلم خصائص مميزة من البيانات واستخدامها في مهام مثل تصنيف الصور وتوليد أمثلة جديدة. (nobelprize.org)

وبذلك، اعترفت نوبل بأن بعض الأسس التي تقوم عليها ثورة التعلم الآلي الحديثة لها جذور عميقة في أفكار ومفاهيم مرتبطة بالفيزياء.


المفارقة الكبرى

ربما أكثر ما يجعل قصة هينتون مختلفة عن قصص رواد التكنولوجيا الآخرين هو هذه المفارقة:

لقد أمضى جزءًا كبيرًا من حياته المهنية وهو يحاول إقناع العالم بأن الآلات يمكنها أن تتعلم.

ثم جاء وقت أصبح فيه السؤال:

إلى أي مدى يمكن أن تتعلم؟

وهنا لم يعد الأمر مجرد بحث أكاديمي.

أصبح سؤالًا يخص الاقتصاد والتعليم والعمل والإعلام والسياسة والمجتمع وحتى مستقبل البشرية.


هل كان هينتون محقًا؟

هذه ليست إجابة محسومة.

داخل مجتمع الذكاء الاصطناعي نفسه توجد آراء مختلفة جدًا حول حجم المخاطر المستقبلية.

بعض الباحثين يشاركون هينتون مخاوفه، بينما يرى آخرون أن التركيز المفرط على السيناريوهات القصوى قد يصرف الانتباه عن المشكلات الموجودة اليوم.

وهذا مهم جدًا.

لأن التعامل مع الذكاء الاصطناعي لا يجب أن يكون بين خيارين فقط:

الخوف منه أو الإيمان بأنه سيحل كل شيء.

ربما الموقف الأكثر عقلانية هو فهمه.

فهم كيف يعمل.

فهم أين يمكن أن يكون مفيدًا.

وفهم أين يمكن أن يصبح خطرًا.


من “هل يستطيع الكمبيوتر التفكير؟” إلى “ماذا سيحدث عندما يتعلم أفضل منا؟”

هذا هو التحول الحقيقي الذي تمثله قصة هينتون.

في العقود الماضية، كان السؤال الأساسي:

هل تستطيع الآلة أن تفعل ما يفعله الإنسان؟

اليوم أصبح السؤال أكثر تعقيدًا:

إذا أصبحت الآلة قادرة على التعلم من كميات هائلة من المعلومات، وربطها وتحليلها بسرعة لا يستطيع الإنسان مجاراتها، فما الدور الذي سيبقى للإنسان؟

وهذا السؤال لا يخص علماء الكمبيوتر وحدهم.

يخص كل شخص يستخدم التكنولوجيا.

الطالب.

المعلم.

الكاتب.

الأم.

رائد الأعمال.

الطبيب.

المصمم.

وكل إنسان سيعيش في عالم تتزايد فيه قدرة الآلات على إنتاج المعرفة والمحتوى والقرارات.


الدرس الأهم من قصة جيفري هينتون

ربما ليست أهم رسالة في قصة هينتون أن نخاف من الذكاء الاصطناعي.

بل أن نتوقف عن التعامل معه كأنه مجرد تطبيق جديد على الهاتف.

الذكاء الاصطناعي ليس مجرد Chatbot.

وليس مجرد أداة تكتب لنا بريدًا إلكترونيًا أو تلخص مقالًا.

إنه نتيجة عقود من البحث في كيفية جعل الآلات تتعلم من البيانات وتكتشف الأنماط وتنتج مخرجات لم نبرمجها حرفيًا خطوة بخطوة.

وهينتون كان أحد أهم الأشخاص الذين دفعوا هذه الفكرة إلى الأمام.

ثم حدث شيء نادر في تاريخ التكنولوجيا:

الرجل الذي ساعد على فتح الباب، بدأ يطلب من العالم أن يتأنى قبل أن يندفع عبره.


جيفري هينتون في سطور

الاسم: Geoffrey Everett Hinton
الميلاد: 1947، لندن
المجال: علوم الحاسوب، علم النفس المعرفي، الذكاء الاصطناعي
أبرز مجالات العمل: الشبكات العصبية، التعلم العميق، التعلم الآلي
جامعة تورنتو: أستاذ وباحث بارز
Google: عمل فيها من 2013 إلى 2023
جائزة تورنغ: أحد الفائزين بها عن أعماله في الشبكات العصبية
نوبل: جائزة نوبل في الفيزياء 2024، بالمشاركة مع جون هوبفيلد
اللقب الشائع: أحد “آباء” أو “عرابي” الذكاء الاصطناعي الحديث


وفي النهاية…

قد يكون من السهل النظر إلى جيفري هينتون باعتباره “الرجل الذي اخترع الذكاء الاصطناعي”.

لكن ذلك ليس دقيقًا.

الذكاء الاصطناعي لم يصنعه شخص واحد.

إنه نتاج عقود من العمل شارك فيها آلاف الباحثين.

لكن هينتون كان واحدًا من الأشخاص الذين ساعدوا على تغيير اتجاه المجال بأكمله.

والآن، بينما يعيش العالم واحدة من أسرع التحولات التكنولوجية في التاريخ، يقف الرجل الذي قضى حياته في تعليم الآلات كيف تتعلم أمام السؤال الأصعب:

إذا كانت الآلات تتعلم منا اليوم… فماذا سيحدث عندما تبدأ في التعلم أسرع منا؟

وهنا، ربما تبدأ القصة الحقيقية للذكاء الاصطناعي.


كُتب بواسطة فريق :ماما تِـك

نكتب عن الأفكار والأشخاص والتقنيات التي تعيد تشكيل العالم من حولنا.