بين وعود علاج الأمراض المستعصية ومخاطر كسر أنظمة التشفير، يستعد العالم – والإمارات في مقدمته – لعصر يُعرف باسم “ما بعد الكم”.
ماذا لو استيقظت ذات صباح لتجد أن كلمة المرور التي تحمي حسابك البنكي، والسجل الطبي لطفلك، ورسائل عملك المشفرة، لم تعد سرية كما كانت بالأمس؟ قد يبدو هذا السيناريو أقرب إلى أفلام الخيال العلمي، لكنه أصبح اليوم جزءًا من نقاشات حقيقية داخل الحكومات وشركات التكنولوجيا الكبرى ومراكز الأمن السيبراني حول العالم.
السبب ليس فيروسًا جديدًا، ولا هجومًا إلكترونيًا تقليديًا، بل جيل جديد من الحواسيب يعرف باسم الحواسيب الكمومية (Quantum Computers). هذه التقنية تعد بقدرات حسابية قد تغير مستقبل الطب والطاقة والذكاء الاصطناعي، لكنها في الوقت نفسه تفرض تحديًا غير مسبوق على أنظمة التشفير التي يعتمد عليها الاقتصاد الرقمي بأكمله.
وبحسب المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا (NIST)، فإن الاستعداد لعصر ما بعد الحوسبة الكمومية لم يعد قضية مستقبلية بعيدة، بل أصبح جزءًا من خطط الأمن السيبراني للدول والمؤسسات، مع اعتماد معايير جديدة للتشفير المقاوم للهجمات الكمومية منذ عام 2024، واستمرار تطويرها خلال 2025.
ما الذي يجعل الحاسوب الكمومي مختلفًا؟
لفهم الثورة التي تعد بها هذه التقنية، علينا أولًا فهم الفرق بين الحاسوب التقليدي والحاسوب الكمومي.
يعتمد الحاسوب الذي نستخدمه يوميًا على البت (Bit)، وهي أصغر وحدة بيانات يمكن أن تكون إما 0 أو 1.
أما الحاسوب الكمومي، فيستخدم الكيوبت (Qubit)، الذي يستطيع – وفقًا لقوانين ميكانيكا الكم – أن يوجد في حالتي 0 و1 في الوقت نفسه عبر ظاهرة تُعرف باسم التراكب الكمي (Superposition).
ويزداد الأمر تعقيدًا مع ظاهرة أخرى تسمى التشابك الكمي (Entanglement)، حيث تصبح مجموعة من الكيوبتات مترابطة بطريقة تجعل تغيير حالة أحدها يؤثر في الآخر فورًا، حتى وإن كانت المسافة بينهما كبيرة.
النتيجة ليست مجرد حاسوب أسرع، بل طريقة مختلفة كليًا في معالجة المعلومات، تسمح بحل مشكلات يستغرق حلها بالحواسيب التقليدية سنوات أو حتى قرونًا.
ثورة قد تغيّر حياة البشر
بعيدًا عن المخاوف الأمنية، تحمل الحواسيب الكمومية وعودًا هائلة.
ففي قطاع الرعاية الصحية، يمكنها محاكاة التفاعلات الجزيئية بدقة غير مسبوقة، ما قد يسرّع اكتشاف الأدوية ويقلل سنوات طويلة من التجارب المخبرية.
وفي مجال الطاقة، قد تساعد على تطوير بطاريات أكثر كفاءة، وتحسين المواد المستخدمة في تخزين الطاقة، بل وتصميم محفزات كيميائية تقلل استهلاك الوقود والانبعاثات.
أما في الذكاء الاصطناعي، فمن المتوقع أن تساهم في تدريب نماذج أكثر تعقيدًا وتحسين عمليات اتخاذ القرار في قطاعات مثل النقل والخدمات اللوجستية والتمويل.
لهذا السبب تستثمر شركات كبرى مثل IBM وGoogle وMicrosoft مليارات الدولارات في هذا المجال، بينما تتسابق الجامعات والحكومات لتطوير أبحاث الكم باعتبارها إحدى أهم التقنيات الاستراتيجية خلال العقود المقبلة.
لكن… أين تكمن المشكلة؟
تعتمد معظم أنظمة التشفير المستخدمة اليوم – سواء في البنوك أو الحكومات أو التجارة الإلكترونية – على حقيقة رياضية بسيطة: توجد مسائل يستغرق حلها بالحواسيب التقليدية وقتًا طويلًا للغاية.
على سبيل المثال، تعتمد خوارزميات مثل RSA وECC على صعوبة تحليل الأعداد الكبيرة أو حل مسائل رياضية معقدة.
لكن في عام 1994، قدّم عالم الرياضيات بيتر شور خوارزمية أثبتت نظريًا أن الحاسوب الكمومي، عندما يصبح قويًا بما يكفي، سيكون قادرًا على حل هذه المسائل خلال وقت قصير نسبيًا، ما يعني أن كثيرًا من أنظمة التشفير الحالية قد تصبح غير آمنة.
ولا يعني ذلك أن هذا الخطر تحقق بالفعل، فالحواسيب الكمومية الحالية لا تزال تواجه تحديات تقنية كبيرة، أبرزها تصحيح الأخطاء واستقرار الكيوبتات. لكن المجتمع العلمي والأمني يتعامل مع القضية بمنطق مختلف: الاستعداد قبل فوات الأوان.
أحد أكثر السيناريوهات إثارة للقلق يُعرف باسم:
Harvest Now, Decrypt Later
أو “اجمع البيانات اليوم… وافك تشفيرها غدًا.”
وتقوم الفكرة على أن جهة معادية قد تسرق بيانات مشفرة اليوم، وتحتفظ بها لسنوات، ثم تستخدم حاسوبًا كموميًا في المستقبل لفك تشفيرها عندما تصبح التقنية جاهزة.
وهذا يعني أن البيانات ذات القيمة طويلة الأجل، مثل السجلات الصحية، والملكية الفكرية، ووثائق الحكومات، قد تكون معرضة للخطر حتى لو بدت آمنة في الوقت الحالي.


