لماذا تُحمَّل الأم وحدها مسؤولية الحفاظ على الأسرة؟ تفكيك ثقافة “معليش هذا زوجك”


لماذا تُحمَّل الأم وحدها مسؤولية الحفاظ على الأسرة؟ تفكيك ثقافة “معليش هذا زوجك”

في كثير من البيوت العربية، حين تهتزّ العلاقة الزوجية أو تنكشف خيانة أو يكشف وجهٌ قاسٍ من أوجه الرجل، تُستدعَى الأم إلى طاولة الاتهام لا التعاطف، وتُقال لها الجملة السحرية التي تختصر قرونًا من الضغط على النساء:
«معليش… هذا زوجك. الغلط بيصير. أهم شيء تحافظي على بيتك من الخراب.»

أما حين يُخاطَب الرجل في ظل الأزمة نفسها، تأتي الجملة في شكل آخر:
«بالآخر… هذا بيتك.»
لكن “بالآخر” هنا لا تعني حملًا حقيقيًا للمسؤولية، بقدر ما تعني تذكيرًا عابرًا بملكية، لا التزامًا بشراكة.
بين جملة «هذا زوجك» و«هذا بيتك»، ضاعت امرأة، وتحوّلت الأم من شريكة في العلاقة إلى حارسة بوابة، مهمّتها أن تظل واقفة حتى لو كانت وحدها.


كيف صُنعت أسطورة أن الأم وحدها مسؤولة عن إنقاذ البيت؟

هذه الفكرة لم تنزل من السماء، ولم تُكتب في نصّ ديني، ولم تُوقّع في عقد مدني؛ بل صُنعت عبر عقود طويلة من التكرار الاجتماعي، حتى أصبحت حقيقة غير قابلة للسؤال.
تاريخيًا، تم بناء صورة المرأة في خيال مجتمعاتنا على أنها:

  • حارسة الشرف
  • حافظة السمعة
  • التي «تستر» على أخطاء الرجل
  • المسؤولة عن تماسك البيت مهما كان الثمن

في المقابل، تم بناء صورة الرجل على أنه:

  • صاحب القرار
  • مالك البيت
  • العائل المالي (ولو كان ذلك نظريًا)
  • صاحب “هوامش” أوسع للخطأ والتجربة

هكذا تحوّل الزواج من علاقة بين اثنين إلى مشروع غير متكافئ:
الرجل “يملك” البيت، والمرأة “تُحاسَب” على خراب البيت، حتى لو كان الخراب قد بدأ من يده ولسانه وخيانته.


من منح الرجل رخصة أخلاقية للخطأ… ووضع على كتف المرأة واجب الغفران؟

لا يوجد دين سماوي يقرّ الكذب والخيانة والظلم كحقوق رجولية، ولا توجد شريعة محترمة تعطي الرجل حصانة ضد المحاسبة.
ومع ذلك، تشكّلت في وعينا الجمعي رخصة غير مكتوبة تقول للرجل تقريبًا:

«أخطئ… ستُفهم. أخن… ستُبرَّر. اغضب… سيُؤوَّل غضبك كرجل.
الأم في البيت ستجد طريقة لتُعيد لملمة كل شيء.»

وفي الوجه الآخر من المعادلة، تُقال للمرأة رسائل ضمنية من طفولتها:

  • «البيت بيتك… احفظيه مهما حصل.»
  • «الفضيحة تُلحق بالمرأة قبل الرجل.»
  • «الرجل لا يُرفض… يُتَحمّل.»
  • «الصبر زينة المرأة… ولو على حساب نفسها.»

وهكذا ينشأ جيل كامل من النساء على قناعة مؤلمة:
أنا مسؤولة عن إنقاذ شيء لم أكن وحدي من دمّره.


ثقافة الغفران الإجباري: لماذا يُطلب من المرأة أن “تتخطّى” دائمًا؟

حين يخون الرجل أو يكذب أو يهمل، لا يُخاطَب المجتمع بعبارة:
«عيب… هذا بيتك وهذه زوجتك.»
بقدر ما تُخاطَب المرأة بـ:
«اصبري… الرجال هكذا. لا تهدمي بيتك من أجل غلط.»

بعض الدراسات في علم النفس الأسري تشير إلى أن الضغط المجتمعي على النساء لمسامحة الخيانة أكبر بكثير من الضغط على الرجال في الحالة العكسية؛ وأن الغفران يُقدَّم للمرأة كـ«واجب أخلاقي» حتى لو لم يرافقه أي تغيير حقيقي من الطرف المخطئ. [oai_citation:0‡ResearchGate](https://www.researchgate.net/publication/371715295_Determinants_of_forgiveness_after_experiencing_infidelity_in_a_marital_relationship?utm_source=chatgpt.com)
بهذا تتحول فضيلة الغفران إلى أداة لقمع الألم وتطبيع الأذى.

الغفران في جوهره قيمة إنسانية عالية، لكنه يفقد معناه حين يصبح:

  • مفروضًا بالقوة
  • مطلوبًا من طرف واحد فقط
  • منفصلاً عن الاعتراف بالخطأ وتحمل المسؤولية
  • غطاء لاستمرار دورة الإساءة ذاتها

ليس من العدل أن تتحول الأم إلى «آلة غفران» لا يُسمح لها بالتعب أو الانهيار أو اتخاذ قرار يحمي كرامتها.


المرأة ليست “حارسة خرابات”… بل إنسانة كاملة لها حدّ

من أخطر الرسائل التي تتلقّاها المرأة العربية:
«أنتِ مسؤولة عن إصلاح كل شيء.»
حتى لو:

  • لم يحضر الرجل جلسة إصلاح واحدة بصدق
  • لم يعتذر اعتذارًا حقيقيًا
  • لم يغير سلوكًا مستمرًا منذ سنوات
  • لم يعترف حتى أن هناك مشكلة في الأصل

تُطالَب الأم أن:

  • تُبرّر عصبيته بالضغط
  • وتبرّر خيانته بأنها “نزوة”
  • وتبرّر إهماله بأنه “مشغول في الشغل”
  • وتبرّر قسوته بأنه “طبيعة رجال”

ثم تُسأل في النهاية:
«لماذا لم تحافظي على بيتك؟»
وكأن البيت جدارٌ تُلزق شقوقه بالصبر… وليس علاقة تقوم على طرفين مسؤولين.


الضغط على الأم في عالم عمل لا يعترف بتعبها

في منطقتنا العربية، تشارك النساء بنسبة هي من الأدنى عالميًا في سوق العمل الرسمي؛ إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن متوسط مشاركة النساء في قوة العمل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يتجاوز نحو 19% مقابل 71% للرجال، مقارنة بمعدل عالمي يقارب 48%. [oai_citation:1‡World Bank](https://www.worldbank.org/en/programs/gender-in-mena?utm_source=chatgpt.com)
ومع ذلك، تقوم النساء بالنصيب الأكبر من العمل غير المدفوع في رعاية الأطفال والبيت.

بمعنى آخر:

  • المرأة تعمل خارج البيت أقل إحصائيًا، لكن:
  • تعمل داخله أكثر بكثير، بلا أجر، بلا اعتراف حقيقي.

ومع دخول مزيد من الأمهات إلى سوق العمل، أصبحت المرأة تجمع بين:

  • دوام وظيفي أو مشروع خاص
  • ورعاية أطفال وتعليمهم
  • وتحمل مسؤوليات منزلية يومية
  • وفوق ذلك… تحمل عبء «الحفاظ على الأسرة» وحدها

هذا الضغط المركّب يخلق إنهاكًا نفسيًا عميقًا، تظهر آثاره في شكل:

  • إرهاق مزمن
  • توتر داخلي دائم
  • إحساس بالذنب مهما فعلت
  • فقدان تدريجي لصوتها وحدودها

ثم يأتي المجتمع ليحمّلها مسؤولية انهيار بيت لم يكن عادلًا معها من البداية.


حين يُختزل البيت في المرأة وحدها… يُعفى الرجل من النضج

البيت ليس جدرانًا وأثاثًا؛ البيت:
نَفَس، وأمان، واحترام، ومساحة آمنة للنفس.
ومع ذلك، كثير من الرجال تربّوا على أن وجود البيت = وجود امرأة، لا وجود علاقة.
فإن بقيت المرأة، فالبيت قائم، مهما حدث داخل هذا البيت.

هذا التصور يُنتج رجولة لا ترى نفسها شريكًا في:

  • تنظيف الجروح
  • الاعتذار الصادق
  • التغيير السلوكي الفعلي
  • المساءلة الذاتية

بل رجولة تعوّلت على فكرة أن هناك دائمًا من “يتحمّل”.
وما دام هناك من يتحمل، فلا حاجة إلى التغيير.


لا يا عزيزتي… الحفاظ على الأسرة ليس فرض عين عليك وحدك

الأسرة ليست مشروع «إنقاذ» تتولين أنتِ قيادته بمفردك.
الأسرة شراكة، والشراكة تعني:

  • توزيع المسؤولية
  • مشاركة في إصلاح الخلل
  • استعدادًا متبادلاً للمراجعة
  • قدرة على تحمل نتائج الأفعال، لا إسقاطها على الطرف الآخر

لا أحد يملك الحق أن يطلب منكِ:

  • أن تغلقي عينيكِ عن خيانة متكررة بلا توبة حقيقية
  • أن تتجاهلي عنفًا نفسيًا مستمرًا
  • أن تُسكتي صوتك حين يُستهان بوجودك
  • أن تضحّي بسلامك النفسي من أجل صورة اجتماعية هشة

هناك فرق بين:
امرأة تختار أن تُصلح علاقة صحية تعرّضت لزلّة،
وبين
امرأة تُكره على البقاء في علاقة تُستهلك فيها روحها يومًا بعد يوم.


رسالة إلى الأم العربية: لستِ مطالبة بالاستشهاد من أجل “سمعة البيت”

يا أمًّا تُحارِب على أكثر من جبهة:
في تربية، وفي عمل، وفي زواج مهتز، وفي مواجهة مجتمع لا يرحم، تذكّري:

  • سلامتك النفسية ليست رفاهية.
  • كرامتك ليست بندًا تفاوضيًا في جلسات الصلح.
  • غضبك ليس عيبًا… بل إشارة إنذار من روحك.
  • دمعتك ليست ضعفًا… بل إعلان انتهاء قدرة الاحتمال القديمة.

ليس المطلوب أن تهدمي بيتك،
لكن ليس من العدل أن تُطالبي وحدك ببناء بيتٍ يصرّ ساكنوه على هدمه من الداخل.

البيت الذي يُحمِّلك وحدك وزر استمرارِه،
ولا يقدّم لك أمانًا، ولا احترامًا، ولا شراكة،
لا يستحق أن يُقدَّم على صحتك النفسية وكرامتك الإنسانية.


نقطة أخيرة: “اصحي… البيت ليس امتحانًا لقيمة روحك”

كفانا أن نقول للمرأة كلما اهتزّت:
«معليش… هذا زوجك. حاولي مرة أخرى.»
وحان الوقت أن نقول للرجل بوضوح:
«هذه زوجتك… وهذه روح مسؤولة منك، كما أنت مسؤول عنها.»

وحان الوقت أن نقول للأم العربية:

لستِ مطالبة بأن تكوني حارسة خرابات.
إن اخترتِ أن تُصلحي، فهذا كرم منك، لا واجب عليك.
وإن اخترتِ أن تحفظي نفسك من الأذى، فهذا حقّك لا جريمة ترتكبينها.

المرأة التي تستيقظ مرة…
لن تعود إلى النوم كما كانت.
والبيت الذي يُقام على وعي، لا يمكن أن يُدار بعقلية:
«معليش… هذا زوجك.»